مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
100
الواضح في علوم القرآن
2 - التحسين الذي يميز الحروف : قد علمنا أن القرآن ، كما أنه لم يكن رسمه يبيّن إعرابه ، كذلك لم يكن ليميّز حروفه المعجمة من المهملة . ولم يكن العرب ليخطئوا في قراءته بحكم فطرتهم وسليقتهم ، إذ لم يكن من المعقول أن يقرأ العربي قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ باستبدال ذال بدل الدال في لفظ ( الحمد ) أو استبدال غين بدل العين في لفظ ( العالمين ) لأن كلّا من الكلمتين لا يصبح لها معنى بهذه الحالة في اللغة العربية . وكذلك لا يعقل أن يستبدل حرف الدال في قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالذال ، لأنها لا تناسب سياق الكلام في تلك الحالة أيضا . ولكن ما ذكرنا من دخول الأعاجم في الإسلام ، وإقبالهم على تعلّم القرآن ، كان له أثر في خطأ الناس في القراءة ؛ لأن هؤلاء لا يعرفون ما هو من العربية وما هو ليس منها ، كما أنهم قد لا يدركون المعنى ومناسبته للسياق لأول وهلة . ولذا سارع المسلمون كما ذكرنا إلى إدخال التحسين على الرسم القرآني ، وقد علمنا أن التحسين الذي طرأ إنما اقتصر فقط على بيان إعراب الكلمات ، وبقيت الحروف غير مميزة بعضها عن بعض ، فربما التبس على القارئ الحرف المعجم كالذال وغيره ، بالحرف المهمل كالدال وغيره ، ولذلك وجد المسلمون أنفسهم مضطرين إلى تحسين جديد ، يجرونه على الرسم القرآني ، غير ما قام به أبو الأسود يميزون به بين الحرف ، ليحصنوا كتاب اللّه تعالى من عجمة اللسان . ولقد قام بهذا العمل لأول مرة نصر بن عاصم تلميذ أبي الأسود الدؤلي ، بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي ، فوضع علامات تميّز الحروف المشتبهة بعضها عن بعض . وكانت هذه العلامات نقطا على الحرف ، التزم فيها ألّا تزيد عن ثلاث نقط في أي حرف « 1 » .
--> ( 1 ) كتاب النقط ؛ لأبي عمرو الداني ( ص 125 ) .